العباس بن بكار الضبي

30

أخبار الوافدات من النساء على معاوية بن أبي سفيان

بكم وقد لقيتم أهل الشام كحمر مستنفرة « 1 » ، لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض ، باعوا الآخرة بالدنيا ، واشتروا الضلالة بالهدى ، وباعوا البصيرة بالعمى ، وعما قليل لتصبحن « 2 » نادمين حين تحل بكم الندامة فتطلبون الإقالة ، « وَلاتَ حِينَ مَناصٍ « 3 » » . إنه واللّه من ضلّ عن الحقّ وقع في الباطل ، ومن لم يسكن الجنّة نزل النار . أيّها الناس ، إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها ، واستطالوا « 4 » مدة الآخرة فسعوا لها سعيا ، وابتاعوا بدار لا يدوم نعيمها ، ولا تتصرم همومها . أيها الناس ، إنه لولا أن يبطل الحق ، وتعطّل الحدود ، ويظهر الظالمون ، وتقوى كلمة الشيطان لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه ، فإلى أين تريدون ، رحمكم اللّه ؟ أفرارا عن ابن عم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وزوج ابنته ، وأبي سبطيه « 5 » . خلق واللّه من طينته ، وتفرّع من نبعته ، وخصّه بسرّه ، وجعله باب مدينته ، وعم « 6 » بحبه المسلمين ، وأبان ببغضه المنافقين . فلم يزل كذلك حتى أيده اللّه بمعونته ، يمضي على سنن استقامته ، لا يعرّج لراحة اللذات ، ها هو مفلّق الهام ، ومكسّر الأصنام ، صلّى والناس مشركون ، وأطاع والناس مخالفون مرتابون ، فلم يزل كذلك حتى قتل مبارزي بدر ، وأفنى أهل أحد ، وهزم اللّه به الأحزاب ، وقتل أهل خيبر ، وفرق به جمع هوازن ؛ فيا لها من وقائع زرعت في قلوب قوم نفاقا ، وردّة وشقاقا !

--> ( 1 ) اقتباس من الآية الكريمة : كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة » . ( 2 ) في المصادر : « ليصبحن » ، وبهذه الرواية تكون الآية 40 من سورة المؤمنين 23 . ( 3 ) سورة ص 38 من الآية 3 . ( 4 ) في البلاغات والعقد وصبح الأعشى : « واستبطئوا » . ( 5 ) في المراجع : « أبنيه » . ( 6 ) كذا ، وفي التاريخ : « أعلم » ، وهي الأشبه ، أي جعل حب علي علامة للمسلمين يتميزون بها عن المنافقين بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يحب عليا منافق ، ولا يبغضه مؤمن » ، انظر جامع الأصول 8 / 656 . وفي بلاغات النساء : « وعلم » .